سندات الودائع اسم على مُسمّى -- Jul 27 , 2026 178
في خضم النقاش حول مشروع قانون انتظام عمل القطاع المصرفي وإعادة الودائع، يبدو أن الخلاف الأساسي لم يعد يتعلق فقط بكيفية توزيع الخسائر، بل أصبح يتمحور حول سؤال أكثر جوهرية: هل تتحمّل الدولة مسؤوليتها عن الديون والالتزامات التي ترتّبت عليها، أم يُطلب من القطاع المصرفي والمودعين وحدهم دفع ثمن الانهيار المالي؟
يستحيل تصوّر أي معالجة عادلة ومستدامة لأزمة الودائع من دون الاعتراف أولاً بأن الدولة هي أحد الأطراف الأساسية في هذه الأزمة، وأن جزءاً مهماً من الخسائر يرتبط مباشرة بالسياسات المالية التي اعتمدتها خلال سنوات طويلة، وبالاستدانة المفرطة، وباستخدام أموال المودعين لتمويل حاجات الخزينة.
في هذا السياق، لا أحد يطلب من الدولة ان تُسدّد كامل ديونها، والتي وصلت الى حوالي 64 مليار دولار، كما نقلها رئيس لجنة الإدارة والعدل جورج عدوان الى مجلس النواب. ولا تبدو الأفكار التي جرى تسريبها في شأن مقاربة تقوم على استرداد جزء من الأموال التي يعتبر مصرف لبنان أن الدولة مُدينة بها له، بعيدة من الواقع. في هذا المشروع، الدولة مُطالبة بالاعتراف بمبلغ 24.9 مليار دولار، موزّعة بين 16.5 مليار دولار (قرض)، و8.4 مليارات دولار مرتبطة بكلفة الدعم التي تلت فترة الانهيار.
الاقتراح لا يطالب الدولة بالتسديد الفوري أو حتى المُقسّط، بل يكتفي بإصدار سندات تضمن للمصرف المركزي إيرادات سنوية تسمح له بالمساهمة في إعادة تكوين قدرته المالية وتمويل خطة إعادة الودائع.
هذا التمويل، والذي تصل قيمته الى حوالي 600 مليون دولار سنوياً، يتيح إصدار سندات مدعومة (ABS)، من دون الحاجة الى تغطية بواسطة الذهب، اذ عندما تتوفّر إيرادات دورية ثابتة، يمكن اعتمادها لتصبح السندات مدعومة، وتصبح اسماً على مُسمّى، وليست فارغة من مضمونها.
كما يسهّل هذا التمويل، تنفيذ خطة إعادة رسملة المصارف. وقد قُدّرت حاجات القطاع بحوالي 2.2 مليار دولار. صحيح أن المصارف مُطالبة بإعادة تكوين رساميلها، لكن الصحيح أيضاً أن الدولة لا يمكن أن تُعفي نفسها من مسؤولية الديون المترتّبة عليها، لأن أي تجاهل لهذا الواقع سيؤدّي عملياً إلى تحميل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر.
وفي هذا الإطار، يبرز الجدل حول عبارة "الحد من استخدام المال العام" التي وردت في قانون انتظام عمل المصارف. فالمبدأ في حدّ ذاته مفهوم، إذ لا يمكن أن تكون أموال الخزينة وسيلة مفتوحة لتغطية خسائر أي جهة، لكن المشكلة تكمن في أن هذه العبارة قد تُفهم على غير حقيقتها، أو يُساء استخدامها، باعتبارها مبرراً لتقليص مسؤولية الدولة أو التهرّب من تسديد ديونها. هناك فرق كبير بين منع هدر المال العام وبين رفض قيام الدولة بواجباتها المالية.
من غير المنطقي أو المسموح، أن يتحوّل مبدأ حماية المال العام إلى ذريعة للتنصّل من الحقوق والواجبات. حماية المال العام لا تعني إلغاء ديون الدولة، بل تعني إدارة هذه الديون بطريقة شفافة ومسؤولة بما يسمح بإعادة بناء الثقة واستعادة حقوق المودعين.
أنطوان فرح - نداء الوطن